Facebook
Twitter
Google +
Youtube

الدولة العميقة أقوى من التباين


الثلاثاء : 2020/01/07 00:10 ص
عمر حلمي الغول
                                    
من تابع المشهد الأميركي بعد مقتل قاسم سليماني، رئيس فيلق القدس الإيراني فجر الجمعة الماضي، لاحظ ان هناك انقساما وتنافرا بين ممثلي الحزبين الرئيسيين في الولايات المتحدة، ممثلو الحزب الجمهوري وقفوا بقوة خلف قرار الرئيس دونالد ترامب، بتصفية المسؤول الإيراني، والعكس صحيح في اوساط ممثلي الحزب الديمقراطي، الذين شنوا هجوما على سيد البيت الأبيض. واعتبروا ذلك تعديا وتجاوزا لدور مجلسي الشيوخ والنواب، لان الرئيس لم يبلغهما بالخطوة. وأشاروا إلى ان العملية تحمل في ثناياها تهديدا لارواح الأميركيين من الجنود والدبلوماسيين، كما جاء على لسان نانسي بيلوسي، رئيسة مجلس النواب، ونائب الرئيس السابق، جو بايدن، ومرشح الرئاسة بيرني ساندرز وأخرين.

في حين أعلن ليندسي غراهام وماركو رومبو وجيم ريتش، رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ، وميت رومني من اعضاء مجلس الشيوخ، ان قرار الرئيس ترامب شجاع، ويعكس روح السياسة الأميركية. واستحضر بعضهم ما حصل لاحتجاز الرهائن الأميركيين مدة 440 يوما بعد نجاح ثورة الخميني عام 1979 في طهران. واعتبروا تصفية قاسم سليماني مكسبا أميركيا، لانه من وجهة نظرهم، رجل قاتل، وهدد المصالح الأميركية، ووقف وراء مقتل عدد من الجنود الأميركيين.

هذا الاستقطاب والتنافر في الشارع الحزبي والسياسي الأميركي، رغم ارتفاع وتيرته، وأخذه احيانا ابعادا تناحرية عدائية. غير ان من يرسم ويحدد مسار السياسة الأميركية هي الدولة العميقة، دون الانتقاص من دور مجلسي الشيوخ والنواب في الحياة التشريعية والقانونية والسياسية الأميركية. وبالتالي هذا التناقض او التباين الموجود بين اروقة الهيئات التشريعية، وامتداداتها في الشارع الأميركي لا يؤثر على جوهر السياسة الأميركية. أضف إلى ان مرتكزات السياسة العدوانية الأميركية تاريخيا ينفذها قادة الحزبين، وهم عرابوها، والمنظرون لها، وحملة لوائها، والترويج لها، والدفاع عنها.

والتناقض القائم لا يعكس الحقيقة، انما هو تناقض شكلي، لان جوهر اعتراض عدد من النواب الديمقراطيين يتمثل في عدم إبلاغهم عن موعد الضربة من قبل الرئيس الجمهوري. في حين اعلن ليندسي غراهام، سيناتور مجلس الشيوخ، ان ترامب ابلغهم عن العملية. إذا المسألة كما يتضح ليست ضد العملية من حيث المبدأ، انما من الزاوية القانونية، ولحماية دور المؤسسة التشريعية وفق معايير الدستور الأميركي. كما ان الديمقراطيين يرديون استثمار مقتل قائد فيلق القدس الإيراني في تصفية حساب مع الرئيس ترامب، حيث صوتوا قبل ايام على عزله، وبانتظار تحويل ملف قضية العزل لمجلس الشيوخ ليصادق على قرار مجلس النواب، أو يسقطه، كما حصل مع الرئيس الأسبق بيل كلينتون، عندما أنقذه الشيوخ الديمقراطي من مقصلة العزل. ومن هنا جاءت عملية تضخيم ردود الفعل الديمقراطية ضد ساكن البيت الأبيض.

لكن الرئيس المغامر اراد تحقيق أكثر من هدف من العملية، منها: أولا التأكيد للديمقراطيين، انه صاحب القرار، ولا يخشى ردود فعلهم، ولا يعير قرار العزل بالا. لانه مطمئن لدعم أقرانه في مجلس الشيوخ من الجمهوريين واصحاب الأغلبية فيه؛ ثانيا الشروع والبدء بالحملة الانتخابية للدورة الرئاسية الثانية. حتى ان كثيرا من المعلقين الأميركيين والأوروبيين وغيرهم، اعتبروا ان مقتل سليماني ضمن له الفوز بالدورة الانتخابية الثانية. وعلى ما يبدو انه استفاد من حلفائه الإسرائيليين الاستعماريين، الذين يخوضون التنافس فيما بينهم على حساب الدم والمصالح الفلسطينية، واستباحة حقوقهم السياسية والقانونية والاقتصادية والمالية؛ ثالثا إحداث نقلة نوعية في عملية التطبيع بين أهل النظام الرسمي العربي ودولة الاستعمار الإسرائيلية، وتمرير صفقة القرن المشؤومة، التي تمكنت القيادة الفلسطينية من وقف تقدمها؛ رابعا إرسال رسالة لحكومة جمهورية الملالي الا تتجاوز حدودها، وتضبط إيقاع سياساتها وممارساتها في الإقليم الشرق اوسطي، والا تنسى نفسها. لان من منحها كل هذا الفضاء من حرية الحركة والتمدد في دول الوطن العربي، هي الولايات المتحدة.

ايا كانت حدود التباينات الداخلية الأميركية، فإن راعي البقر الأميركي ترامب نفذ العملية، ولن تثنيه ردود فعل الديمقراطيين عن خياراته، التي لا تتعارض مع توجهات وضوابط الدولة العميقة، التي لها وحدها الحق في لجم نزعات مطلق رئيس أميركي.
                                

شاركنا رايك


الاسم
الايميل
الهاتف
التعليق